الشيخ محمد هادي معرفة
33
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
يقتضي مفعولًا واحدا كقولك : عرفتُ زيدا ، و « علمتُ » يقتضي مفعولين ، كقولك : علمتُ زيدا عاقلًا . ولذلك صارت المعرفة تستعمل خصوصا في توحيد اللّه تعالى وإثبات ذاته ، فتقول : عرفتُ اللّه ولا تقول : علمتُ اللّه ، إلّا أن تضيف إليه صفة من الصفات فتقول : علمتُ اللّه عدلًا ، وعلمتُه قادرا ، ونحو ذلك من الصفات . وحقيقة البيان في هذا أنّ العلم ضدّه الجهل ، والمعرفة ضدّه النكرة . و « الحمد والشكر » قد يشتركان أيضا ، الحمد للّه على نعمه أي الشكر للّه عليها . ثمّ قد يتميّز الشكر عن الحمد في أشياء فيكون الحمد ابتداءً بمعنى الثناء ولا يكون الشكر إلّا على الجزاء ، تقول : حمدتُ زيدا ، إذا أثنيت عليه في أخلاقه ومذاهبه وإن لم يكن سبق إليك منه معروف . وشكرتُ زيدا ، إذا أردت جزاءه على معروف أسداه إليك . ثمّ قد يكون الشكر قولًا كالحمد ، ويكون فعلًا كقوله عزّوجلّ : « اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً » . « 1 » وإذا أردت أن تتبيّن حقيقة الفرق بينهما اعتبرت كلّ واحد منهما بضدّه ، وذلك أن ضدّ الحمد الذمّ ، وضدّ الشكر الكفران . وقد يكون الحمد على المحبوب والمكروه ، ولا يكون الشكر إلّا على المحبوب . وأمّا « الشحّ والبخل » « 2 » فقد زعم بعضهم أنّ البخل منع الحقّ وهو ظلم ، والشحّ ما يجده الشحيح في نفسه من الحزازة عند أداء الحق وإخراجه من يده . قال : ولذلك قيل : الشحيح أعذر من الظالم . قلت : وقد وجدت هذا المعنى على العكس ، ممّا روي عن ابنمسعود ، حدّثنا أحمد بنإبراهيم بنمالك عن عمر بنحفص السدوسي عن المسعودي عن جامع بنشدّاد عن أبي الشعثاء قال : قلت لعبداللّه بنمسعود : يا أباعبدالرحمان ، إنّي أخاف أن أكون قد هلكت .
--> ( 1 ) - سبأ 13 : 34 . ( 2 ) - قال الراغب : الشحّ بخل مع حرص ، وذلك فيما كان عادة . قال تعالى : « وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ » النساء 128 : 4 . « وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » الحشر 9 : 59 والتغابن 16 : 64 . أي ينفلت عن رذيلتها بترويض النفس ومكافحة خسائسها . المفردات ، ص 256 . على أنّ البخل صفة تنبئ عن عمل رذيل وإن كان منشأه حزازة في النفس . أمّا الشحّ فهو نعت عن صفة نفسية خسيسة لاغير .